محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
335
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وصفة اليوم الآخر في حقّهم أن قال : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ ، ولا فيها شفاعة ؛ فإذ لم يكن القرآن شافعا مشفعا لهم في الدنيا لم يقبل منها شفاعة ولا أذن في حقّها شفيع ؛ ومن حيث إنّهم اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا كانت حالتهم في الآخرة وصفة اليوم الآخر في حقّهم أن قال : ولا يؤخذ منها عدل وفدية ولو افتدى واحد منهم بملء الأرض ذهبا ؛ إذ قد باع آيات اللّه بثمن قليل واستوفى الثمن فكيف يؤخذ منه بعد ذلك فداء وعدل ؟ ! ومن حيث إنّهم لبسوا الحقّ بالباطل يعني بالحقّ الكتاب الذي معهم ، وبالباطل أهواءهم وآراءهم الباطلة من التحريف وكتموا الحقّ ونصروا الباطل ، حتّى أهل الشرك من الأمّيين الذين يخالفونهم في الدين والكتاب عاضدوهم على محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - ونصروهم وعاهدوهم على عداوته ، كانت حالتهم في الآخرة وصفة اليوم الآخر في حقّهم أن قال : ولا هم ينصرون ؛ إذ قد نصروا أعداء اللّه على أولياء اللّه ؛ فمن ينصرهم ذلك اليوم من عذاب اللّه ومن يمنعهم من بأس اللّه ؟ ! فتطابقت الأحوال على الأعمال مطابقة النعال على النعال ؛ واللّه لا يظلم مثقال ذرّة . وتحقّق أنّ صفة ذلك اليوم مقصورة على هؤلاء القوم وإلّا فمن همّه وهمّته أن يقول في القيامة : أمّتي أمّتي حين يقول كلّ أحد : نفسي نفسي ، كيف لا يجزي هو عن نفس شيئا ؟ ! ومن كانت دعوته المستجابة شفاعة لأمّته كيف لا تقبل منه شفاعة ؟ ! ومن يطلب وقت رفع الحسنات ووضع الميزان كلمة عدل يرجّح بها الميزان كيف لا يؤخذ منه عدل ؟ ! ومن نصر اللّه في الدنيا كيف لا ينصره اللّه في الآخرة ؟ ! وجملة الأمر وتفصيله : من هدى اليوم نفسا تجزيه في الآخرة نفس ، ومن جعل القرآن اليوم إماما يكون له ( 145 ب ) شافعا مشفعا في الآخرة ، ومن لم يشتر بآيات اللّه ثمنا قليلا وشرى نفسه وماله ابتغاء مرضاة اللّه فقد أخذ منه العدل والفداء في الآخرة بتقديمه أيضا الثمن في الدنيا ؛ ومن نصر دين اللّه القيّم وكثّر السواد الأعظم منعه اللّه من النار ومتّعه بدار القرار ؛ وأحوال القيامة في حقّ المؤمنين هكذا تكون كما كانت في حقّ الكافرين على ما تليت من القرآن المبين ، وأمّا تطبيق الحالات الأربع على الشرعيات من العبادات الأربع فالصلاة تجزي ، والزكاة تشفع ، والجماعة رحمة ، والنصر مع الصبر وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ وعليك الضدّ على الضدّ .